عمر فروخ

577

تاريخ الأدب العربي

ولمّا أمرني من لا محيص عن رسمه سيّد الفضلاء وقدوة البلغاء وملجأ الأدباء ومحطّ رحال الغرباء وإمام الكرماء القاضي الأجلّ . . . . . ابن سناء الملك « 1 » بجمع ما في كتب الناس على سبيل الاختصار من الشواهد وتجنّب الإطالة بذكر كلّ الاشتقاق إلّا إيضاح مشكل أو كشف غامض أو زيادة بسط في الكلام على أنّه من كتاب اللّه تعالى أو في بيت قد أهمل تقصّي الكلام عليه بادرت إلى امتثال أمره . . . . . - من متن « تحرير التحبير » ( ص 99 - 100 ) : ومن أمثلة الاستعارة في السنّة النبويّة قوله عليه السلام : « ضمّوا مواشيكم حتّى تذهب فحمة العشاء » « 2 » . فاستعار - صلّى اللّه عليه وسلّم - للعشاء الفحمة لقصد حسن البيان ، لأنّ الفحمة هاهنا أظهر للحسّ من الظلمة ، فإنّ الظلمة تدرك بحاسّة البصر فقط والفحمة تدرك بحاسّتي البصر واللمس ، لأنّها جسم والظلمة عرض « 3 » ؛ فكان ذكرها - أعني الفحمة - أحسن بيانا من ذكر الظلمة . - من مقدّمة « بديع القرآن » : . . . . كتاب « بديع القرآن » - الذي هو تتمّة « الإعجاز » المترجم « ببيان البرهان » - أفردتّه من كتاب هو وظيفة عمري « 4 » وثمرة اشتغالي في إبّان شبيبتي ومباحثي في أوان « 5 » شيخوختي مع كلّ من لقيته من عقلاء العلماء وأذكياء الفضلاء ونبلاء البلغاء في علم البيان ، و ( مع ) كلّ من له عناية بتدبّر القرآن « 6 » ونظر ثاقب في نقد جواهر الكلام ومن له تمييز بين الذهب والشبه « 7 » من نقود النثر والنظام ، جمعته من . . . . . . . « 8 » .

--> ( 1 ) ابن سناء الملك ( راجع ، فوق ، ص 451 ) . ( 2 ) العشاء ( بكسر العين ) : غياب الشفق ( بعد غياب الشمس بنحو تسعين دقيقة ) واشتداد ظلام الليل والمقصود بالقول : حتى تذهب فحمة العشاء ( حتى يذهب الليل ويبدأ ضوء الصباح ) . ( 3 ) العرض ( بفتح ففتح ) : الصفة العارضة ( التي تأتي وتذهب ) كالمرض بالإضافة إلى الإنسان وكاللون بالإضافة إلى الأشياء . ( 4 ) وظيفة عمري : العمل الذي قضيت في إنجازه عمري كله . ( 5 ) أوان : زمن . ( 6 ) تدبر القرآن : قراءته بتفكير وتفهم . ( 7 ) الشبه : النحاس الأصفر ، وهو في الحقيقة مزيج من النحاس ( الأحمر ) ومن القصدير ( ويكون لونه أصفر كلون الذهب الخالص ) . ( 8 ) هنا يأتي كلام هو الكلام الموجود في مقدمة « تحرير التحبير » أو قريبا جدا منه .